محمد هادي معرفة

209

التمهيد في علوم القرآن

أحوالهم ، فتقدّم جعفر بن أبي طالب ، وكان لسان القوم ، وقال : أيّها الملك ، كنّا قوما أهل جاهليّة ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجار ، ويأكل القوي الضعيف ، فكنّا على ذلك ، حتى بعث اللّه إلينا رسولا منّا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى اللّه - إلى أن قال - : فلمّا ضيّقت علينا قريش وحالت بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك . فقال له النجاشي : هل معك شيء ممّا جاء به عن اللّه ؟ قال جعفر : نعم ، قال : فاقرأه عليّ ! فقرأ جعفر صدرا من سورة الشورى : بسم الله الرحمن الرحيم . حم . عسق . كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ ، وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . فلمّا استمع النجاشي إلى هذا الترنّم المرهف ، بكى بكاء شديدا حتى اخضلّت لحيته ، وبكت الأساقفة الذين كانوا حضورا وكانت صحفهم بين أيديهم وقد ابتلّت بدموعهم ، حينما سمعوا ما تلي عليهم من آيات الذكر الحكيم . ثم قال لهم النجاشي : إنّ هذا وما جاء به المسيح ليخرجان من مشكاة واحدة ، وذكر ابن هشام أنّه أسلم ومات مسلما وصلّى عليه النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) واستغفر له « 1 » .

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام : ج 1 ص 359 - 365 .